فخامة الرئيس محمد ولد الغزواني، و أنت تمشي غدا على السجاد الأحمر تتفحص الوجوه، تحاول شحن معنوياتك بما تيسر من حب الشعب لك، جرب لمس الملامح بأصابعك، فأقنعة الشمع يسهل كشفها تحت شمس انشيري الحارقة..
وامسح بمنديلك كل كلمة ترحيبية، تسقط ذليلة _في المسامع _من تجاويف الميكروفونات المستأجرة، فعندما تزيح حمرة التملق الرخيص سترى بوضوح صدأ النفعية ينخر هيكل الكرامة الهزيل..
ودع صهيل مطايا كل الأنظمة، التي مرت على البلد، يتكاثف في أفق الزيف، وعلى قمم خيام العناكب.. ثم امعن النظر في عين شمس الظهيرة واسألها:
كيف يصارع سكان هذه الأرض المسطحة الجرداء، أيام السنة كاملة، بلا مكيفات، ولا نوافير، و لا حدائق خضراء، و لا سيارات مظللة، كالتي تركت بقصرك!
فكل تلك القرى المبعثرة في غمد النسيان، من نواكشوط و حتى اكجوجت، خالية من أبسط أساسيات الحياة: لا ماء، لا أسواق، لا مصحات، لا نقاط إسعاف، لا مجازر، لا مزارع، ولا حتى مرايا تعهدات تخدر وخز البؤس..
فخامة الرئيس إن ولاية إينشيري رغم بؤس الظروف، والتهميش، والاستهداف، و تردي الخدمات، لم تركع يوما تتوسل الاهتمام، و لم تفتخر يوما بوجيه منافق، و لا سياسي مخادع، ولا مسؤول مفسد، فحدة ملامحها العارية من نعيم الإنجازات، طبعت بصرامة وتطابق تام في طباع سكانها الأصليين، الذين عرفتهم سجلات السياسة و التاريخ، عظماء، نبلاء، كرماء صرحاء، أقوياء.. فهذه الأرض الشاسعة الشاحبة الحزينة أمامك تخفي تحت تجاعيدها تاريخا نابضا بالوطنية و العطاء و الصمود و الرفعة و الحرية..
فخامة الرئيس إن لم تكن إحدى جنيات “القهر” قد تعهدت لبعثة حزبكم بنثر تعويذة رطبة على سكان اينشيري، قبل وصولكم، فإجابة التساؤل عن درجة تعلق السكان بنظامكم، وعن نسبة حب المواطن الإينشيري لفخامتكم، متجسدة أمامكم بكل وضوح وجلاء..
فالمجتمع الأبي الذي أسس على تلك الأرض الطاهرة أول نقاش فلسفي عقدي في البلد، كان قطباه جدي السابع العلامة سيدي عبد الله ولد الفاظل وابن عمه النابغة العلامة لمجيدري ولد حبلل، و حطم بأظافره هيبة عطش الصحراء، ودحر بصلابته وعزيمته أساطيل وجيوش المستعمر ،و عرى عضلاته لمصارعة الموت والمهالك في مفازات الرمال المتحركة و المناجم المهجورة و السهول المتشابهة والسباخ العميقة، وأمواج الأطلسي العاتية، وهزم بقناعته وشموخه شبح المجاعة و غول الفقر لن يلعق في نهاية الدنيا صحون الفراغ.
فإذا صادفك وأنت تمشي على سجادك الأحمر أحد مواكب التهريج المبتذل، أو تجسد أمامك مشهد خليع لعرض منحنيات النفاق الخادش، أو انطلقت بحضورك حلقة رقص ماجن للضمير بفساتين التنكر القصيرة، فأسأل الشمس الملتهبة فوقك، ستسكب هوية السكان الأصليين بعينيك، لتعرف أنك أمام كرنفال عبثي لأطياف السراب، ولست في استقبال حقيقي من الولاية وسكانها.