حين عرض عليّ الأخ أحمدو ولد أحمد لوله فكرة مهرجان اترارزة للتراث، رأيت فيها مبادرة تستحق الدعم والمواكبة، فبادرت إلى العمل على استصدار الترخيص لها، والتواصل مع الجهات الحكومية المعنية، ودعوة قطاع الثقافة إلى احتضانها ومساندتها، وتذليل ما أمكن من الصعوبات التي رافقت انطلاقتها.
وقد أثمرت تلك الجهود عن قيام النسخة الأولى في تكنت، وسط حضور رسمي وشعبي واسع، ثم جاءت النسخة الثانية لتؤكد أن الفكرة كانت أكبر من مناسبة عابرة، وأن شباب تكنت وجدوا فيها مشروعاً يستحق الصبر والاستمرار.
ومن هنا، أجد من المناسب أن أتوقف عند بعض الأمور التي تستحق التقدير قبل أن نتوقف عند زلة لسان أو خطأ لغوي عابر.
وأخص بالشكر معالي وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، السيد الحسين ولد مدو، الذي لبّى دعوتنا وافتتح نسختي المهرجان، رغم مشاغله الكثيرة وازدحام برنامجه، وفي كل مرة كان حضوره ثمرة دعوة وطلب، وكان يجد الوقت لتلبية الدعوة ومشاركة أهل تكنت هذا الموعد الثقافي، وهو موقف نقدره ونثمنه.
كما أتوجه بالشكر إلى السلطات الإدارية في اترارزة والمذرذرة وتكنت، على ما قدمته من تسهيلات ومساندة للمهرجان، وعلى تعاونها مع المنظمين بما أسهم في إنجاح فعالياته.
أما الشكر الأكبر، فهو لشباب ءامنوا بهدفهم وسعوا لتحقيقه، ونجحوا في ذلك، وهم شباب مدينة تكند:
- الفنان أحمدو ولد أحمد لولى رئيس المهرجان
- أحمد ولد ابته
- شيخنا ولد مسعود
- الدكتور محمد سالم ولد أبغش
- المختار ولد أواه
- فيل ولد سيدى هيبه
- الحاكم ولد بلال
- أبوبكر ولد علين
- الحسن ولد محمد جدو
والشكر موصول لكل شاب وشابة حملوا هذا المشروع، وعملوا عليه، وتحملوا عناء التنظيم، وواجهوا محدودية الإمكانات، وواصلوا الطريق حتى وصل المهرجان إلى نسخته الثانية.
هؤلاء من يستحقون التشجيع أكثر مما يستحقون التصحيح، ويستحقون أن ننظر إلى ما أنجزوه قبل أن نحصي عليهم ما أخطأوا فيه.
ولذلك أقول بكل صراحة: المهرجان لم يكن امتحاناً في النحو، وأحمدو لم يصعد إلى المنصة ليقدم درساً في النحو.
كان يقف أمام جمهور كبير، بعد أسابيع وشهور من العمل والتعب والصغط والتحضير، وفي ظروف يعلمها كل من اقترب من تنظيم تظاهرة بهذا الحجم، وكان عليه أن يؤدي كلمة ترحيبية على منصة افتتاح مهرجان يعمل على تنظيمه للمرة الثانية، وهو أمر لم يتمرس عليه كثيرا.
ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تتعثر العبارة، وأن تخون الكلمة صاحبها في لحظة من اللحظات.
ثم إن كلمة الافتتاح الرسمية كانت موكولة إلى الأستاذ والشاعر أحمد ولد ابته، أما كلمة رئيس المهرجان فكانت كلمة ترحيبية، وقد نجح أحمدو في إيصال الترحيب إلى ضيوفه وجمهوره.
فماذا نريد أكثر من ذلك؟
هل نريد من شاب حمل على عاتقه تنظيم مهرجان كامل بإمكانات محدودة أن يقف على المنصة وكأنه يلقي خطبة في مجمع اللغة العربية؟
يا جماعة، اتركوا للشباب حق أن يتعلموا وهم يعملون!
فالذي يعنينا هنا هو مضمون المبادرة وأثرها.
مهرجان اترارزة للتراث أعاد إلى الواجهة جانباً مهماً من ذاكرة الولاية، وفتح الباب أمام التعريف برموزها التاريخية والعلمية والروحية، ونفض شيئاً من الغبار عن تراث أميري وثقافي وديني ظل حاضراً في الذاكرة المحلية، وحضرت فيه مختلف القضايا وعلى رأسها قضية فلسطين، من خلال قصيدة أبي المعالي.
في النسخة الأولى كان الاحتفاء بالشيخ سعدبوه، وحضر طبل الإمارة باعتباره واحداً من رموز الذاكرة التاريخية للمنطقة، كما كان حضور الأمير في افتتاح المهرجان حاضراً في النسختين، بما يعكس الصلة بين هذه التظاهرة وتراث الإمارة.
وفي النسخة الحالية جاء اختيار الشيخ سيديا امتداداً لهذا المسار، بما يمثله من قيمة علمية وروحية وثقافية في تاريخ اترارزة وموريتانيا.
وهذا وحده كافٍ لكي نفهم أن المسألة أعمق من كلمة قيلت هنا على نحو غير دقيق أو جملة تعثرت هناك.
المهرجان أيضاً ينعش مدينة تكنت خلال أيامه، ويستقطب الزوار، ويحرك التجارة والخدمات، ويفتح نافذة أمام السياحة الثقافية، ويقدم المدينة باعتبارها جزءاً من ذاكرة اترارزة ومشهدها الثقافي.
والأهم من ذلك كله أن شباب تكنت استطاعوا تنظيم مهرجان ثري بالندوات والمحاضرات، يستضيف كبار المثقفين والباحثين والنخب الوطنية، ويناقش قضايا تتصل بتاريخ البلاد وتراثها وثقافتها وهويتها ومستقبلها.
وقد نجح في استقطاب قامات مثل:
الدكتور يحيى ولد البراء
الدكتور بوميه ولد ابياه
الدكتور محمدو ولد احظانا
الدكتور يعقوب ولد اليدالي
الاستاذ الحسين ولد محنض
الأستاذ عبد الله دكاهي
الأستاذ إبراهيم ولد الشيخ سيديا
الدكتور محمد المختار ولد السعد
الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير
الدكتور أحمد ولد المصطف
الأستاذ محمدن ولد باباه
الأستاذ عبد الله ولد محمد ولد بلال
الأستاذ أحمد ولد حرود.. وغيرهم
وهنا أقول لأحمدو ورفاقه: واصلوا.
لا تسمحوا لتعليق عابر أن يحجب عنكم قيمة ما تفعلون. ولا تجعلوا بعض السخرية من أخطاء لغوية عابرة تنسيكم أنكم أنجزتم ما عجز عنه كثيرون ممن يجيدون الكلام أكثر مما يجيدون العمل.
وأنا شخصياً أعلن دائما تبني هذه المبادرة وتشجيعي لها، وأقول: (هذا المهرجان مهرجاني) وأعلن استعدادي لمواصلة دعمه ومواكبته، لأنه مبادرة شبابية تستحق أن تكبر وتتطور، وأن تصبح موعداً سنوياً ثابتاً من مواعيد الثقافة والتراث والسياحة في اترارزة.
أما الذين تركوا كل هذه التفاصيل، وكل هذه الجهود، وكل هذا التراث، وكل هذه المحاضرات، وكل هذا الحضور، وكل هذا العمل الشبابي، ثم وضعوا أعينهم على خطأ لغوي هنا أو تعثر في عبارة هناك، فأقول لهم:
شكراً على الحراسة المشددة على اللغة!
لكن اتركوا لنا شيئاً من الوقت للحديث عن المعنى.
فكم من عبارة سليمة الإعراب ماتت في مكانها ولم تفعل شيئاً، وكم من عبارة متعثرة خرجت من صاحبها ووصلت إلى الناس بما تحمله من صدق وترحيب ومحبة.
ثم إن كثيراً ممن يسخرون من أخطاء الآخرين، لو وجدوا أنفسهم مكان أحمدو، وتحت ضغط الجمهور والميكروفون والأضواء ومسؤولية مهرجان كامل، فلربما اكتشفوا أن اللسان أقل انضباطاً مما يبدو من خلف شاشات الهواتف!
تحية لشباب تكنت، وتحية لكل من ساهم في هذا العمل، وشكراً للسلطات الإدارية، وشكراً لمعالي الوزير، وشكراً لكل من مد يده لهذا المشروع.
أما أحمدو، فأقول له: واصل؛ فالذين يعملون يخطئون أحياناً، أما الذين لا يعملون، فلديهم دائماً وقت كافٍ لعدّ أخطاء الآخرين.