ينطلق، بعد أيام معدوداتٍ، “مهرجانُ المذرذرة الدولي” الذي يشكِّل محطة ثقافية بارزة وتظاهرة حضارية متكاملة، تعكس عمق الهوية الوطنية للمقاطعة، كما تعكس ثراء المشهد الثقافي والأدبي والاجتماعي والتراثي والاقتصادي في ربوع هذه المقاطعة الضاربة جذورُها في التاريخ، الراسية حدودُها في الجغرافيا، الحاضر رجالُها الغُر الميامينُ في قلب الحدَث، إذ خلّدوا بمواقفهم القيادية مارْكةً مسجّلة في صناعة المقاومة الوطنية أبطالا وشهداءَ أعلوْا كلمة الله في أرض الله غيظا لأعداء الله، رجال أسهموا ريادةً في مسار إنشاء الجمهورية الإسلامية الموريتانية وفي مسيرة بنائها على قواعد ثابتة تضمن استشرافها لمستقبل زاهر وضاء.
رسمت “الورقة المفاهيمية” التي أعدتها “الهيئة العليا للمهرجان” أربعة أهداف جوهرية يسعى المهرجان إلى تحقيقها، يحول التحفظ دون ذكرها قبل إبّان إعلانها.
يروم “مهرجان المذرذره الدوليّ”، في مقامه الأول، تنمية “الاقتصاد الثقافي” لمقاطعة المذرذره، جملةً وتفصيلا، وفي هذا السياق:
- يسعى إلى أن يكون فضاءً رحبا للإبداع والفكر وملتقًى لأرباب الكلمة والشعر والآداب والفنون، حيث ستتعانق التجارب وتتلاقح الأفكار في فضاء يعزز الوعيَ الثقافي ويرسِّخ مكانةَ الثقافة كمكونة أساسية من مكونات التنمية الإنسانية.
- أما في بعده الاجتماعي، فسيكون “مهرجان المذرذره الدوليُّ” مناسبة جامعة للتآخي والتواصل مانعةً لخلاف ذلك، كما سيكون فرصة تعزِّز التلاحم الاجتماعي وتبرز روح التضامن والانتماء وتجمع مختلف مكونات المجتمع في صورة تعكس وحدة النسيج الاجتماعي وأصالةَ قيّمه الإنسانية ونفاسةَ شيمه الأخلاقية.
- أما على صعيد التراث، فسيبرُز “مهرجان المذرذره الدولي” كمنصة حية تصون الذاكرة الجمعية وتحْيِي الموروث الشعبي من عاداتٍ وتقاليدَ وفنون وصناعات تقليدية، مقدّمةً التراثَ بوصفه هويةً نابضة بالحياة وجسرا يربط الماضيَّ بالحاضر وبالمستقبل.
- على المستوى الاقتصادي، سيُسهم المهرجان في تحريك العجلة الاقتصادية المحلية وفي تنشيط الحركة التجارية والسياحية وفي دعم المبادرات الأهلية والمنتجات المحلية مما سيجعله قطبا تنمويا حقيقا على أن يعود بالنفع على ولاية اترارزه عموما وعلى ساكنة مقاطعة المذرذره خصوصا.
إن إشراف هيئة من المصطفين الأخيار، من أهل الذكر والفكر، على تسيير أعمال المهرجان لجدير بتحقيق الأهداف الآنفة الذكر، خاصةً إذا عرفنا أن انتقاء أعضاء الهيئة العليا للمهرجان قد خضع لضوابطَ صارمة مؤسسةٍ على الكفاءة الخالصة والخبرة المشهودة والتجربة الشاهدة وهو ما انعكس إيجابا على حسن التخطيط وعلى جودة التنفيذ، وقد اعتُمدت المعايير نفسُها في اختيار رؤساء اللجان الفنية، إذ بُنيت على ضوابطَ صارمة ضمّت الفاعلية والانضباط والوثاقة وهو ما أسهم في تحقيق المراد من الاستعداد وبلوغ المرام في الإعداد للمهرجان الذي سيبدأ أعماله بعدَ غد.
إن احتضان مقاطعة المذرذره، الفضاء التاريخي والجغرافي لإمارة اترارزه ومعقلها السياسي، لهذا “الحدث الدولي” لَيعكِس مكانة الإمارة التاريخيةَ المحوريةَ كما يعكس منزلة المقاطعة الثقافية الجوهرية ودورها السياسي والاجتماعيَّ كفضاء للتنوع الثقافي والانفتاح وكمركز للتعايش السلمي في أبهى تجلياته الحضَرية والحضارية، وهو ما يؤكد كفاءة أبناء المقاطعة، كلِّ أبناء المقاطعة، في تنظيم التظاهرات الكبرى إبرازا لصورة مقاطعتهم المشرِقة على المستوى المحليِّ والمفخَرة على المستوى الوطني والمشرِّفة على الصعيد الدولي.
ولا يفوتني في هذا المقام التنويهُ بالدور المحوري الذي اضطلعت به بلديات المقاطعة الخمسُ: تگنت، ابِّير التورس، المذرذره، التاگلالت، الخط، حيث شكّلت مشاركتُها الفاعلةُ في التحضير وتكاملُ جهودها في التنفيذ نموذجاً في التنسيق المحكَم والعمل الجماعي المتقَن، وهو ما سيُسهم، بصورة فاعلة، في بلوغ “مهرجان المذرذره الدولي” من التوفيق منتهاه.
هذه ملاحظات سطّرها مراقبٌ من الداخل، حيث شرّفتني الهيئة العليا للمهرجان بتعييني رئيساً لإحدى اللجان الفنية وقد شاركتُ في بعض مراحل التحضير لرفع قواعد البناء، غير أن الظروف الصحية الطارئة لأحد أبَويَّ، شفاه الله وعافاه، وما فرض ذلك من ضرورة ملازمته للتَّمريض والسَّفر معه إلى داكار للاستشفاء ومن ظروف الحجز في “الطَّبْ” بعد العودة، كلّ أولئك كان عن الحد من مشاركتي في المتابعة الميدانية لمسار المهرجان خلال بعض مراحله مسؤولاَ.
إن “مهرجان المذرذره الدولي”، بما سيحققه من إشعاع ثقافي وتنموي، يُعدّ مكسبا حقيقيا لولاية اترارزه عموما، وللمقاطعة وبلدياتها على وجه الخصوص، وهو من قبلُ ومن بعدُ، رسالةٌ واضحةٌ، غيرُ مشفَّرة، بأن “التعاونَ المحليَّ المُهَذَّبَ”، حين يقترن بالرؤية الفكرية الثاقبة الواعية، قادرٌ على صناعة أحداثٍ دولية ناجحة ومؤثرة تجعل زمانَه سجِلَّ الحدث ومكانَه قلبَه وإنسانَه فاعلا في صناعته.
هكذا، برَوية وتؤَدة يضع أبناءُ مقاطعة المذرذره البررةُ وخبراؤها المهَرةُ وبَحثتُها الخِيرة، برئاسة الدبلوماسي المحنّك الدكتور محمد سالم ولد الصوفي، اللمسات الأخيرةَ على تفاصيل برنامج “مهرجان المذرذره الدولي”، بعدما حلَّلوا جزئياته وحرَّروا كلياته، وليس إتقانُ العمل في متانةِ مبنًى وإحكامُه في كثافةِ معنًى بمستغربٍ في بيئة عالمة، كبيئة هذه المقاطعة، بيئة يوجهها العقل وتؤطرها الحكمة:
أولئك قومٌ إن بنوْا أحكَموا البِنا@وإن عاهدُوا أوْفوْا وإن عقَدُوا شدُّوا
وإن كانت النَّعماء فيهمْ جَزوْا بها@وإن أنعمُوا لا كدَّرُوها ولا كدُّوا
وإنْ قال مَولاهمْ على كلِّ حادثٍ@من الأمْر رُدُّوا فضْل أحلامِكمْ رَدُّوا.
إخوتي الأماجد، أخواتي الماجدات، آن الأوان، وقد أزِف الترحل، بعد غدٍ، أن يَشدَّ النّاس إلى المذرذره مطايا وأرحلا ليشهدوا منافع لهم سيُجلّيها مهرجان المذرذره الدولي أيامَ 26 و27 و28 ديسمبر 2025.
فلْنكنْ جُزءًا من الحدث…!
