في روصو، عاصمة ولاية الترارزة، لم يكن حضور النائب الداه صهيب في الاستقبال الذي نظمته جماهير الحزب لبعثته برئاسة عثمان، حضوراً عادياً أو عابراً؛ فقد طغى اسمه وحضوره على المنصة الخطابية، وكأنه يستعيد مشهداً بات مألوفاً لدى جماهير الولاية في مناسباتها السياسية والحزبية.
فالداه صهيب لم يبرز على المنصة في روصو وليد لحظة، ولم يكن صعوده إليها مجرد ترتيب بروتوكولي فرضته المناسبة، بل أصبح، مع مرور الوقت، واحداً من أكثر الوجوه حضوراً وتأثيراً في الفضاء الخطابي بولاية الترارزة.
وفي مختلف مقاطعات الولاية وقراها، ترسخت لدى الجماهير صورة الداه صهيب باعتباره «سيد المنصة الخطابية»؛ فحين يحضر، تخفت أصوات كثيرة، ويتراجع أصحاب الحناجر والفصاحة خطوة إلى الوراء، تاركين له مساحة الحديث والتعبير. ليس بالضرورة لأنهم عاجزون عن الكلام، وإنما لأن الرجل استطاع أن يصنع لنفسه أسلوباً خاصاً في مخاطبة الجمهور، يجمع بين الحضور والثقة والجرأة والقدرة على شد الانتباه.
والمثير في تجربة الداه صهيب أن هذا الحضور لم يرتبط، في حدود ما هو معروف، بظهير تقليدي نافذ أو جنرال يقف خلفه، ولا بمشيخة صوفية ذات نفوذ روحي، أو شبكة تقليدية قوية تفتح له أبواب النفوذ السياسي. بل يبدو أن الرجل شق طريقه بنفسه، خطوة بعد أخرى، حتى وصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.
لقد بنى حضوره على شخصية سياسية لافتة، وحضور ميداني دائم، وقدرة على الاقتراب من الجماهير والتحدث إليها بلغتها، فضلاً عن جرأة جعلته يخوض مواقف قد لا تكون دائماً سهلة أو مريحة، سواء على المستوى الوطني أو في بعض القضايا ذات الامتداد الإقليمي والدولي.
وهنا تكمن إحدى خصوصيات تجربة الداه صهيب؛ فهو لم يحصر نشاطه في حدود الدائرة الانتخابية أو المنبر البرلماني بالمعنى التقليدي، وإنما حاول أن يجعل من موقعه داخل البرلمان مساحة للتعبير عن مواقف تتجاوز الشأن الداخلي.
فقد ترأس مبادرات وتحركات برلمانية ذات صلة بقضايا عربية وإقليمية، وأظهر مواقف داعمة لسوريا، كما عبّر عن مساندة للموقف الجزائري في عدد من الملفات، في محاولة منه لتوظيف موقعه البرلماني في القضايا التي يرى أنها تمس المجال العربي ومصالح المنطقة.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض مواقفه السياسية، فإن من الصعب تجاهل الطريقة التي استطاع بها الداه صهيب أن يصنع لنفسه حضوراً مستقلاً داخل المشهد السياسي.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط مواقع تمنحها التحالفات، ولا مقاعد تأتي دائماً عبر بوابات النفوذ التقليدي؛ إنها كذلك قدرة على بناء الشخصية، وصناعة الحضور، وتحمل تبعات المواقف، والاستمرار في الظهور عندما يتردد الآخرون.
ولعل المنصة في روصو كانت مجرد صورة مكبرة لهذه التجربة؛ إذ بدا الداه صهيب أكثر من مجرد متحدث في مناسبة حزبية. بدا رجلاً يعرف كيف يمسك بالمنصة، وكيف يستثمر اللحظة، وكيف يحول الخطاب إلى وسيلة لصناعة حضور سياسي يتجاوز حدود المناسبة.
ومن هنا، فإن صعود الداه صهيب ليس قصة منصة فقط، بل قصة رجل اختار أن يشق طريقه في حقل سياسي مليء بالمنافسة، مستنداً إلى حضوره الشخصي وجرأته وقدرته على التواصل مع الجمهور.
وقد يختلف الناس حول مواقفه وخياراته، وقد تتباين القراءات السياسية لشخصيته، لكن ما يبدو واضحاً أن الداه صهيب نجح في بناء مساحة خاصة له داخل المشهد، وأن حضوره لم يعد بحاجة إلى تقديم طويل كلما اعتلى منصة.
في روصو، كما في غيرها من مدن وقرى الترارزة، يبدو أن الجمهور يعرف مسبقاً من سيأتي إلى المنصة، ومن سيحتفظ بمساحته فيها حتى النهاية.
إنه الداه صهيب؛ الرجل الذي لم يرث المنصة، وإنما صنع لنفسه مكاناً عليها.
احمدو محمد