ميناء الأعماق في نواذيبو: حلم تنموي لا بيع للسيادة…/ الرضى ابوه

ظل ميناء المياه العميقة في نواذيبو لسنوات حلماً يراود سكان المدينة والفاعلين الاقتصاديين، لما يمكن أن يحدثه من تحول في الصيد والتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية. ولذلك لم تكن المزايدة السياسية التي صاحبت الحديث عن إنجازه في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص موفقة، خصوصاً عندما اختزل بعضهم المشروع في عبارة: «بيع الميناء لمدة ثلاثين سنة».

الميناء لم يُبع، والأرض لم تُبع، والسيادة الوطنية ليست معروضة للبيع. نحن أمام مشروع موجّه إلى المستثمرين، يخضع لقانون موريتاني واضح ينظم الشراكة بين القطاعين العام والخاص. يتولى المستثمر تمويل الميناء وبناءه وتجهيزه وتشغيله وصيانته مدة محددة، ثم تعود المنشآت إلى الدولة وفقاً للعقد والقانون.

إن بناء ميناء أعماق حديث ليس مشروعاً بسيطاً تستطيع أي شركة إنجازه. إنه استثمار ضخم يحتاج إلى مئات الملايين من الدولارات، وخبرة فنية، وقدرة على إدارة الموانئ وجذب الخطوط البحرية الدولية. لذلك تكون مدة الامتياز طويلة حتى يتمكن المستثمر من استرداد أمواله، وهو أمر معمول به في أكبر الموانئ الإفريقية.

في السنغال مثلاً، يُنجز ميناء ندايان الجديد للمياه العميقة بالشراكة مع شركة DP World، باستثمار يتجاوز مليار دولار، ضمن امتياز يصل إلى 50 سنة. ومع ذلك لم يتحول النقاش السنغالي إلى حديث عن «بيع السيادة»، بل قُدّم المشروع باعتباره أداة لتحويل السنغال إلى مركز بحري ولوجستي في غرب إفريقيا. ⁠

وفي نيجيريا، أُنجز ميناء ليكي للمياه العميقة بعقد مدته 45 سنة، وفق صيغة: البناء والتملك المؤقت والتشغيل ثم نقل المشروع إلى الدولة. وقد دخل الميناء الخدمة وأصبح من أهم المنشآت المينائية الحديثة في غرب افريقيا.⁠

وفي توغو، ساهمت عقود الامتياز والاستثمارات الخاصة في تطوير ميناء لومي وتحويله إلى أحد أبرز موانئ الحاويات وإعادة الشحن في المنطقة. كما تُدار محطات كبرى في موانئ أبيدجان وتيما وداكار وفق عقود امتياز وشراكات طويلة الأجل. هذه هي الطريقة التي تُبنى وتُدار بها الموانئ الحديثة في العالم، وليست استثناءً خاصاً بموريتانيا.

أما اختيار المستثمر في مشروع نواذيبو، فلم يتم بطريقة سرية أو بمنح مباشر؛ بل عبر مسار معلن للتأهيل المسبق، ثم اختيار شركات مؤهلة للمشاركة في الحوار التنافسي وتقديم العروض. وهذا مهم لأن الشركة المطلوبة لا بد أن تجمع بين القدرة على التمويل والخبرة في البناء والتشغيل والتسويق الدولي. مسار التأهيل المسبق للمشروع⁠

السيادة الوطنية مسألة مقدسة، لكن لا يجوز استعمالها في غير محلها. تشغيل شركة متخصصة لميناء وفق عقد موريتاني وتحت رقابة الدولة لا يعني التنازل عن السيادة. فالجمارك والأمن والحدود والمياه الإقليمية والقوانين والرقابة تظل كلها بيد الدولة.

ومن حقنا أن نطالب بعقد قوي وشفاف، يضمن تشغيل الموريتانيين، ويحمي البيئة، ويمنع الاحتكار، ويفرض معايير واضحة للأداء. لكن الفرق كبير بين مراقبة المشروع وحماية المصلحة الوطنية، وبين تخويف الناس بشعار بيع الميناء.

ميناء الأعماق حلم كبير لنواذيبو. وإذا كان جيراننا يبنون موانئهم بالشراكة ويستعدون لمنافسة المنطقة كلها، فلا ينبغي أن نحرم مدينتنا من مشروعها الأهم بسبب مزايدة سياسية غير موفقة. السيادة لا تعني أن نبقى بلا ميناء؛ السيادة الحقيقية هي أن نحسن استغلال موقعنا وثرواتنا لبناء اقتصاد قوي يخدم موريتانيا والموريتانيين.

الرضي أبوه
خبير في سياسات الاستثمار و التنمية

شارك هذه المادة