ليس التمييز الإيجابي مفهومًا مستحدثًا، ولم يكن يومًا غريبًا عن المجتمعات التي سعت إلى معالجة الاختلالات الاجتماعية وتحقيق قدر أكبر من العدالة. غير أن نجاحه كان دائمًا مرهونًا بوضوح أهدافه، وعدالة وسائله، وخدمته للمصلحة العامة، لا بتحويله إلى أداة لتبرير الامتيازات أو تصفية الحسابات.
وما يثير الاستغراب اليوم هو محاولة البعض اختزال التمييز الإيجابي في منح فئة بعينها فرصة للسيطرة على المال العام، أو تمرير تعيينات استثنائية خارج معايير الكفاءة والاستحقاق، تحت لافتة “صناعة رجال أعمال” أو “تصحيح المظالم”. فهذه الممارسات لا تمت إلى التمييز الإيجابي بصلة، بل تمثل انحرافًا عن جوهره، وتُضعف دولة القانون، وتُقوّض مبدأ المساواة، وتعيد إنتاج الإقصاء بصور جديدة.
لقد أثبتت التجارب الناجحة في العالم أن التمييز الإيجابي الحقيقي يبدأ من المدرسة، ويترسخ عبر تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والتنافس الشريف، لا عبر توزيع الامتيازات على أساس الانتماء أو اللون أو الخلفية الاجتماعية.
وفي موريتانيا، تمثل السياسات الرامية إلى تعميم التعليم، وتقريب المدرسة من مختلف التجمعات السكانية، وتوحيد التعليم الأساسي، خطوات عملية في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية. كما أن رقمنة المسابقات الوطنية شكّلت نقلة نوعية، بعدما وضعت جميع المترشحين أمام معايير واحدة، وقلّصت من فرص التدخل والمحسوبية، لتصبح الكفاءة هي الفيصل بين الجميع.
أليس هذا هو التمييز الإيجابي الحقيقي؟ أليس منح الجميع فرصة متساوية للنجاح أعدل من منح الامتيازات لفئة على حساب أخرى؟
إن الإجابة تكمن في طبيعة الخطاب الذي يتبناه بعض المتحدثين في هذا الملف؛ فبين من يسعى إلى تحقيق مكاسب شخصية، ومن يوظف القضية لاستمالة الناخبين، تضيع حقيقة التمييز الإيجابي، ويُشوَّه مفهومه.
إن العدالة لا تتحقق باستبدال امتيازات بأخرى، ولا بإحلال تمييز مكان تمييز، وإنما ببناء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون الفرص متاحة للجميع، ويكون معيار التقدم هو الكفاءة والاستحقاق.
ذلك هو الطريق الذي يرسخ المواطنة، ويكافح الغبن والهشاشة، ويؤسس لمجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا
الأعلامي محمدمحمود محمدسالم