حين يتقاطع الأداء الإداري مع القيم، وتتماهى الكفاءة مع الأخلاق، يولد نموذج نادر يُذكّرنا أن التربية ليست وظيفة، بل رسالة، وأن الإدارة لا تكون إصلاحًا إلا حين تُدار بعقل يحفظ التوازن، وقلب يتسع للكل، وموقف لا ينكسر أمام صخب العابرين.
لقد كان انتقال المدير الجهوي للتربية وإصلاح النظام التعليمي من ولاية نواكشوط الجنوبية إلى ولاية كركل مناسبة مزدوجة الشعور. ففي الوقت الذي تعتري النفوس مشاعر الفقد لرحيل قامة تربوية شُهد لها بالصرامة الهادئة، والانضباط الذكي، والاحتواء المهني، تفيض القلوب تهنئة لولاية كركل التي سعد طالعها حين آلت إليها كفاءة بحجم المدير المفتش محمدن باب حمدي.
لم يكن حضوره طارئًا، بل امتدادًا لتاريخ من البذل المتزن، والقرار الراشد، والمهنية التي لا تتعالى ولا تنكفئ، بل تسلك درب الصمت الناجز والعمل الذي لا يحتاج إلى ضجيج.
لقد ظل مكتبه عنوانًا للإنصات، ومواقفه ناطقة بلغة الواجب، وعلاقته بزملائه قوامها الاحترام لا الاستعلاء، والتقدير لا التكلّف.
نودّع اليوم إدارة لم تغب يومًا عن همّ الإصلاح، ومديرًا لم يكن مجرد صفة وظيفية، بل روحًا إدارية نبيلة، أضافت للمكان وقارًا، وللمهنة احترامًا.
ولأن الوداع لا يكون نهاية حين تبقى البصمة، نكتب هذه الرسالة لا لنرثي غيابًا، بل لنوقّع شهادة تقدير أخلاقي ومهني، لمدير كان حضوره أثرًا، فكان غيابه امتدادًا.
دمتم للعلم خُطا، وللتربية سِيرة.
المفتش محمذن فال قاظين