بعيدا عن منطقة آمشتيل ورحلات “أولاد امحمد” فى الشتاء والصيف, ولد حفيد للفاضل سيدي احمد ولد أحمد عيشه، سمّاه ابوه الشيخ على عمه “عبدُ الله”، لكن غلبة أسماء أسرة العلم ” أهل محمد سالم ” في منطقة إينشيري التي ولد فيها سنة 1960, حين كان والده موظفا في أول مدرسة بمدينة “بنشاب” جعلته يحمل اسم ” بلّاهي “.
لم يدم الأمر طويلا, بل مكث الوجيه الشيخ ول أحمد عيشه سنة واحدة هناك, ثم عاد إلى مراتع الصبا ومرابع الأهل, وربما أنشد خلال عامه ذلك:
فات اعلي ذا العام تام “” مان عارف من واكل
فم اكَـــلال, أفــم تامــ”” رزكَــيت, أفم نــواكل
سنة 1963 غادر الشيخ ولد أحمد عيشه إلى بوتلميت، موظفا في معهد العلوم العربية والإسلامية, وبعده فى المدرسة رقم3, فاستقر به المقام هناك متخذا من حي طيبه سكنا له, ليبدأ الطفل “بلّاهي” دراسته الابتدائية في المدرسة رقم2, فى الجانب الغربي من المدينة سنة 1968, فيحصل على شهادة ختم الدروس الإبتدائية, ثم يواصل مساره التعليمي فى المدينة, حتى حصل على شهاد ختم الدروس الإعدادية.
انتقل الشاب إلى الثانوية الوطنية في نواكشوط حيث درس المرحلة الثانوية ثم شارك في معلمين فرنسيين, ومارس التدريس سنة واحدة, قبل أن ينجح متفوقا سنة 1983 فى شعبة الآداب الفرنسية.
شارك المعلم والطالب فى مسابقة ضباط الدرك، فنجح الأول من دفعته، وله سلف في ذلك، فبعض قادة الدرك مارسو التعليم، مثل الشيخ ولد بيده وفياه ولد المعيوف ومعاويه ولد الطايع.
بدأ الملازم اول، رحلته من مدينة أطار في المدرسة العسكرية لمختلف الأسلحة, فأكمل تدريبه سنة 1985, ليتم تعيينه قائدا لمكتب مخابرات الدرك الوطني, حيث سمح له منصبه وحاجة القطاع بالحصول على عدة تكوينات فى أكاديميات عالمية عريقة, مثل شرشال بالجزائر, وتلقى دورات تكوينية في قيادة الأركان ومجالات أخرى بفرنسا.
ظل الضابط الكتوم كما يصفه زملاؤه يعمل بعيدا عن الأضواء, حتى سنة ,2003 حيث عاد إلى أطار قائدا لكتيبة الدرك هناك, فى ابتعاث لم يدم طويلا. فأعيد إلى القيادة العامة للدرك بانواكشوط وقيادة المكتب الثاني سنة 2005, وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى سنة 2014, حين حصل أقدم عقيد فى الدرك حينها على مرتبة لواء, وتم تعيينه قائدا مساعدا للدرك الوطني, لتتم ترقيته استحقاقيا سنة 2020 قائدا عاما للدرك الوطني, قبل أن يحصل بعد سنتين على أعلى مرتبة في القطاع: مرتبة فريق.
توسّع قطاع الدرك في فترته، وتشعبت مهامه، بحكم توسّع الدولة وانتشار الجريمة, ما تطلّب مواكبة ذلك بالتكوين والتدريب وبنى تحتية قوية, وهي أمور ظل قطاع الدرك يعمل من أجلها حيث أنشأ مناطق ووحدات وثكنات, كما تم تشييد دور للضيافة وفندقا فى روصو, فضلا عن اقتناء العتاد واامشاركة في بعثات حفظ النظام في بعض الدول.
حصل بلاهي ولد أحمد عيشه على أوسمة عديدة، كان آخرها توشيحه بوسام كوماندور في نظام الاستحقاق الوطني من طرف رئيس الجمهورية محمد ول الشيخ الغزواني، في عيد استقلال 2024, كما تم توشيحه من قبل الحكومة الإسبانية قبل سنوات، بوسام برتبة قائد من نظام الاستحقاق الوطني الإسباني.
شهد قطاع الدرك خلال السنوات الأخيرة محطات فاصلة، وعرف إحالة ملفات كبيرة، بعضها سياسي وبعضها أمني, كما كانت وحداته على المحك، في تأمين مخيمات اللجوء ومواجهة التداعيات الامنية الداخلية، والتي من أبرزها المواجهة التي شهدتها منطقة “لمْصيدّي”، بولاية آدرار مع السجناء الفارين من السجن المدني، حيث استشهد أحد أفراد وحدة خاصة بالتدخل، وهي نفس الفرقة التي تدخلت لتحرير إحدى طائرات الخطوط الجوية الموريتانية بعد اقتحامها فى مطار نواكشوط من طرف مواطن موريتاني.
يتقاعد ابن مدينة بوتلميت, وأحد أهم عسكرييها, عبد الله ولد أحمد عيشه، بعد مسار حافل فى خدمة الدولة, ومسيرة مميزة فى قطاع الدرك، لم يحرق فيها المراحل، وجمع فيها رتب القطاع بتفوق واستحقاق، وحاز أوسمة الوطن في أهم مناسباته، تاركا بصمة واضحة المعالم، وأثرا محفورا في ذاكرة التاريخ العسكري الموريتاني.
تحياتي
ابيه محمد يحي